سيد محمد طنطاوي
232
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ويبدو لنا أن تفسير الحياة الطيبة هنا بأنها الحياة الدنيوية أرجح ، لأن الحياة الأخروية جاء التصريح بها بعد ذلك في قوله - تعالى - : * ( ولَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) * . فلو فسرنا الحياة الطيبة بالحياة الأخروية لكان في الآية الكريمة ما يشبه التكرار ، ولكننا لو فسرناها بالحياة الدنيوية لكانت الآية الكريمة مبينة لجزاء المؤمنين في الدارين . وأيضا فإن قول النبي صلى اللَّه عليه وسلم السابق : « قد أفلح من أسلم ورزق كفافا » يشير إلى أن المراد بالحياة الطيبة ، الحياة الدنيوية ، لأن من نال الفلاح نال حياة طيبة . وعلى ذلك يكون المعنى الإجمالي للآية الكريمة : من عمل عملا صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة في الدنيا ، يظفر معها بالسعادة وصلاح البال ، والأمان والاطمئنان ، أما في الآخرة فسنجزيه جزاء أكرم وأفضل مما كان يعمله في الدنيا من أعمال صالحة . قال صاحب الكشاف قوله : * ( حَياةً طَيِّبَةً ) * يعنى في الدنيا ، وهو الظاهر لقوله * ( ولَنَجْزِيَنَّهُمْ ) * وعدهم اللَّه ثواب الدنيا والآخرة ، كقوله : فَآتاهُمُ اللَّه ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ . . . « 1 » . وذلك أن المؤمن مع العمل الصالح موسرا كان أو معسرا ، يعيش عيشا طيبا ، إن كان موسرا فلا مقال فيه ، وإن كان معسرا فمعه ما يطيب عيشه وهو القناعة والرضا بقسمة اللَّه . وأما الفاجر فأمره على العكس . إن كان معسرا فلا إشكال في أمره ، وإن كان موسرا ، فالحرص لا يدعه أن يتهنأ بعيشه « 2 » . ثم أشار - سبحانه - إلى أن من الأعمال الصالحة ، أن يستعيذ المسلم عند قراءته للقرآن الكريم ، من الشيطان الرجيم ، فقال - تعالى : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 98 إلى 100 ] فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّه مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ( 98 ) إِنَّه لَيْسَ لَه سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 99 ) إِنَّما سُلْطانُه عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَه والَّذِينَ هُمْ بِه مُشْرِكُونَ ( 100 )
--> ( 1 ) سورة آل عمران الآية 148 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 428 .